الرياض-أسمرة، ومُحرك أحجار الشطرنج

الرياض-أسمرة، ومُحرك أحجار الشطرنج

تكاد تكون العلاقات الخليجية الأرترية هي الأقل حضوراً بين قريناتها من دول القرن الأفريقي ولولا عاصفة الحزم لم يكن لأسمرة ذكراً في ملفات السياسة الخارجية الخليجية إلا فيما ندر، وقد يتساءل سائل لماذا كانت العلاقات الخليجية الأرترية هي الأقل حضوراً من بين قريناتها؟ وأعتقد أن الأسباب لذلك كثيرة منها تركيبة الدولة الأرترية التي فقدت بمرور الوقت مقومات الدولة الحقيقية وأصبحت عبارة عن بقعة جغرافية لا تصلح إلا للتأجير، ويدرك حلفاء النظام الأرتري قبل غيرهم بأن التغيير السياسي قادم إلى أسمرة لا محالة  فالزمن تجاوز أرتريا ويأبى أن لا يكون له دور في إجتثاث ذاك الركام البالي الذي أبتلى به أهل أرتريا

تناقلت وسائل الإعلام والصحافة في شرق أفريقيا مؤخراً خبر زيارة وفد سعودي رفيع المستوى إلى العاصمة الأرترية أسمرة فتواردت على بريدي الإلكتروني عشرات الرسائل من زملاء البحث العلمي يطالبوني بتفسير تلك الزيارة التي وصفتها النخب الإفريقية بالزيارة “المتوترة” ، ورغم إختلافي معهم في تسمية تلك الزيارة بالمتوترة إلا إنني إتفقت معهم في أن أسمرة لن تبذل جهداً في دعم الرياض وحلفاءها إلا بعد موافقة مُحرك أحجار الشطرنج في القرن الإفريقي – إسرائيل

تلعب تل ابيب دوراً محورياً في منطقة القرن الإفريقي منذ عقود طويلة ولسنا هنا بصدد الحديث عن تاريخ علاقة إسرائيل بدول القرن الإفريقي ولكن يكفي أن نذكر مثالاً واحداً من باب الدلالة على منهجية الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي في تحريك الأحداث في تلك المنطقة، فعندما إنقطعت العلاقات بين أديس ابابا وتل أبيب بسبب التعاون الذي جمع جمال عبد الناصر والأمبراطور هيلا سيلاسي في منظمة الوحدة الإفريقية وتحول أديس ابابا من التحالف مع الغرب إلى دول المعسكر الإشتراكي تبين أن ذلك تم بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة وتل أبيب والعلاقات الأثيوبية الإسرائيلية لم تنقطع أبداً بل كان رجال الموساد حريصين على عدم نجاح الثورة الأرترية لخشيتهم من ضياع هويتها المسيحية وتحولها لدولة عربية مطلة على البحر الأحمر ومن مقولات الساسة في تل أبيب: “أننا نختار إثيوبيا موالية للسوفيت ولكنها مُسيطرة على أرتريا  ولا نريد أثيوبيا موالية للغرب وفاقدة للسيطرة على أرتريا”، بل وتطور الأمر إلى أن تل أبيب وجدت أن مصالحها تتفق مع مواقف الإتحاد السوفيتي في إثيوبيا ومن ناحية أخرى أجبر الموقع الإستراتيجي لأرتريا واشنطن على التمسك بأثيوبيا رغم تحولها اليساري وهذا ما يفسر رفض الولايات المتحدة تزويد الصومال بالأسلحة الهجومية خلال حرب أوجادين وهذا ما يُفسر بعد ذلك نجاح تل أبيب في إعادة صياغة التحالفات التي مكنتها من توثيق علاقتها مع أثيوبيا ميليس زيناوي من ناحية ودعم الثورة الأرترية -(التي كانت ضدها) – متمثلة بالجبهة الشعبية برئاسة الرئيس الأرتري الحالي أسياس أفورقي من ناحية أخرى.

دلالات زيارة الوفد السعودي لأسمرة

الدلالة الأولى : أرى أن زيارة الوفد العسكري السعودي إلى إرتريا لم تأتي بنية مُطالبة أسمرة بدعم حقيقي في جنوب الجزيرة العربية بمقدار ما هو إعادة سعودية لقراءة ما يحدث في القرن الإفريقي ترتكزعلى طمأنة نفسية تطمع بها الرياض وتتأكد بها من سلامة الموقف عندما تتغير أشرعة السياسة في القرن الإفريقي مع قناعتي الكاملة أن الطمأنة النفسية والتأكد من سلامة المواقف لا مبدأ ولا وجود له في العلاقات الدولية،  فالرياض مُدركة تماماً بأن ما تبحث عنه لن تجدة في أسمرة ولو وجدتة فهو تحقق لها بتوافق إسرائيلي أمريكي لا غير ولا دخل هنا لأسمرة مثلما لا دخل للرياض وحلفاءها في تأخر حسم المعارك في جنوب الجزيرة العربية .

الدلالة الثانية : لا ترغب القوى الدولية أن يحقق التحالف العربي في جنوب الجزيرة العربية نصراً حقيقياً، فتحقيق نصر يقودة التحالف العربي في اليمن سيعطي دافعاً معنوياً للتحالف أن يعيد الكرة في عواصم أخرى وسيدعم الجبهة الداخلية للمملكة وحلفاءها  وهذا يعني رسالة مباشرة بأن لإيران من يواجهها وهو قادر إن أراد ذلك وهذا ما لم يكن لتسمح به القوى الدولية، فالقوى الدولية هي الضالعة في عرقلة حسم المعارك في اليمن، وهي المُستفيدة من بيع الأسلحة للتحالف العربي، وهي الحريصة على إخراج عمليات التحالف العربي في اليمن بتلك الصورة المؤسفة المتدوالة اليوم في الإعلام العالمي ويتم إستخدامها كورقة ضغط لمزيد من الإبتزاز والتلويح بين فينة وأخرى بملف حقوق الإنسان في الداخل الخليجي وفي اليمن وربط هذان الملفان ببعضهما بما يتناسب والمصلحة الدولية لتلك القوى.

الدلالة الثالثة : منذ إندلاع عاصفة الحزم عام 2015  بقيادة المملكة العربية السعودية وهي مخطط لها أن لا تصل إلا لحل سياسي يُحرج أطراف التحالف أمام شعوبهم قبل إحراجهم أمام الرأي العام العالمي وكان يمكن تفادي ذلك كله لولا المباركة الدولية التي وعدت حينها بأن المعركة في جنوب الجزيرة العربية ستكون  قصيرة، خاطفة، مؤثرة، ناجحة.

يبدو أن دول الخليج باتت قاب قوسين أو أدنى من إعلان التطبيع العلني مع تل أبيب فلقد سبق ذلك تبادل زيارات مكوكية لمسؤولين من الجانبين ( الخليجي، الإسرائيلي) تمت تغطيتها إعلامياً  ولا أعتقد أن تل ابيب ترى ذلك كافياً حتى تكون داعمة للتوجة الخليجي في القرن الإفريقي، فسلسلة التنازلات الخليجية لم تبدأ بعد، وحتى لو بدأت بعد ذلك فأرجح أن إسرائيل لن تصل مع العرب لنقطة وسطى مراعاة لمصالحهم بقدر ما هو تثبيتاً لرؤيتها الإستراتيجية المستقبلية تجاة دول الخليج العربي.

تدرك القوى الدولية أن العلاقات الخليجية الإفريقية مرتبطة بها وبالتالي لا يمكن الحديث عن مصالح خليجية حقيقية في إفريقيا بمعزل عن القوى الدولية، ولإضعاف تلك القاعدة يمكن لدول الخليج العربي وبشكل جماعي أن تبدأ بوضع إستراتيجية عشرية يناط فيها لكل دولة خليجية مهمة معينة وتعيد دول الخليج  قراءة إفريقيا من جديد ولكن ما يعرقل ذلك هو الخلافات السياسية بين دول الخليج العربي التي يجب أن تحل فوراً والعمل على التوجة قدماً وعدم العودة لمربع خلافات لا طائل من وراءها ويُدفع ثمنها من مستقبل المواطن الخليجي

د.أمينة العريمي

باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي

error: Content is protected !!