جديد الفيديو

الجمعة, 09 كانون1/ديسمبر 2016 00:00

جمهورية بيافرا..عودٌ على بدء

كثير ما يتم سؤالي عن سر إيماني بالأفارقة، وبقدرتهم على تجاوز الماضي، والعمل على إعمار الحاضر،وقدرتهم على التحكم بالمستقبل، ودائماً ما أبدء جوابي بما إنتهى إليه الروائي النيجيري الخالد تشينوا أتشيبي عندما يقول: ” عندما أرسلت روايتي الأولى تحت عنوان ” الأشياء تتداعي” ، والتي كانت تتحدث عن عمق 

 الشخصية الأفريقية لأحد دور النشر البريطانية لأول مره تم رفضها بحجة أن الأدب الذي ينتجه كُتاب أفارقة لا سوق له ، ولكن مع إصراري على النشر وجدت ضالتي في دار هاينمان/ لندن ، ونجحت في بيع ثمانية مليون نسخه حول العالم ، وتمت ترجمتها إلى أكثر من خمسين لغة مما جعلني أحد أهم الكُتاب الذي تمت ترجمة مؤلفاته على مدار التاريخ.

بالرغم من أن الأديب الراحل تشينوا أتشيبي كان طالباً في كلية الطب ، إلا أنه إتجه إلى كتابة الروايات بعد ما وقعت في يده رواية بإسم ” مستر جونسون” للكاتب جويس كاري، تلك الرواية التي إستفزت شعور أديبنا الخالد بسبب تناولها الشخصية النيجيرية خاصة والأفريقية عامة بشكل غير لائق ، وبعدها أصبح للروائي النيجيري تشينوا مُهمة لا تقل قداسه عن مهمته كطبيب ، فعزم أمره وقرر أن يساهم في تحسين صورة الإنسان الأفريقي ، ونقد الأدب الأوروبي الذي ينقل عن أفريقيا ما ليس فيها.

يرجع تاريخ الشعب النيجيري إلى 9000 عام قبل الميلاد، بدليل أفران الصهر التي وجدها علماء الأثار في تاروجا والتي تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد ، ومن أهم الحضارات التي وجدت في نيجيريا أو أرض إله الخصوبة كما يطلق عليها ، حضارة النوق التي سادت في نيجيريا منذ ألف عام قبل الميلاد، وحضارة النوق عبارة عن تماثيل بحجم الإنسان مصنوعه من الطين المقوى بالنار، أو ما يطلق عليه ” التيراكوتا”، و يُرجح أن تلك الحضارة هي من أساس ممالك قبيلة اليوروبا. التي تقطن في الجنوب الغربي من البلاد.

تعتبر نيجيريا إحدى أهم القوى الأفريقية التي يُعول عليها المجتمع الدولي اليوم لقيادة غرب أفريقيا ، إلا أنها ظلت تتميز وما زالت بفسيفساء عرقية ودينية وثقافية، التي كانت من الممكن أن تتحول لمصدر قوة للدولة النيجيرية إذا ما أُحسنت إدراتها ، فنيجيريا تضم مائتان وخمسون جماعة عرقية ولغوية متمايزة ، أضف إلى ذلك الإنتماءات الدينية المتعددة، فهناك المُسلمون، و والمسيحيون ، والأقليات الدينية الذين يدينون بديانات أفريقية تقليدية، وكما يقول علماء السياسة أن التنوع العرقي والثقافي في أي دولة ما هو إلا مُعيناً وسبباً جوهرياً للإثراء الثقافي فيها ، إلا أن ذلك التمايز النيجيري العرقي والثقافي والديني كان وبالاً علي أبوجا ، فقد أدخلها في خصومات وحروب أهليه خلفت الكثير من الضحايا، مثل حرب إقليم بيافرا (1967-1970) الذي خلف مليون قتيل على الأقل.

الصراع المُتجدد والذي يأخذ اليوم صورة الصراع الحذر في نيجيريا ، يحوم بين أهم القبائل النيجيرية الكبرى ( الهوسا والفلاتيون ، اليوروبا، الأيبو) ، فالهوسا والفلاتيون يقطنون المناطق الشمالية للبلاد التي شهدت ما يُعرف بخلافة سوكوتو والتي نشأت بين عام 1804 إلى 1903 ، حيث ساهمت في توحيد القبائل والممالك في غرب افريقيا، وتحتل تلك الخلافة مكانة هامه في تاريخ نيجيريا ، حيث شهدت تجديداً للفكر الإسلامي وتوحيد مناطق السكان ( الهوسا) ، كما قام ملوك الفلاته بنشر الإسلام في المناطق المجاورة ، ونجح الشيخ عثمان فودي عالم الدين وأخوه عبدالله في توحيد إمارات الهوسا تحت سلطة مركزية واحدة ممثلة في خلافة سوكوتو، وفي ظل تلك الخلافة أصبح الإسلام هو القوة السياسية العليا في نيجيريا، ولكن أحوال الخلافة تدهورت مما سهل على المستعمر البريطاني إحتلالها في 1902، إلا أن تلك المناطق ما زال يعتنق أصحابها الدين الإسلامي وتنتشر اللغة العربية والثقافة العربية بينهم، أما اليوروبا فيقطنون في جنوب غرب نيجيريا ومنهم المسلمون،ومنهم المسيحيون، وبعض المُعتنقين لدين الأوريشا وهو أحد الديانات التقليدية القائمه على الروح المُجسدة للإله أولودومار، أما الأيبو أو “الأغبو” فهم يقطنون في جنوب شرق نيجيريا تلك المنطقة المُصنفة بإحتضانها لإغلب إحتياطي النفط النيجيري، وهذا التمايز الديني قد يكون سبب للصراع الدائر في نيجيريا ولكنه ليس السبب االرئيسي ، فهناك مجموعة إعتبارات مُرتبطة بتوزيع الثروة والسلطه، والإستياء السياسي، والمكون الثقافي لتلك الجماعات كل تلك الأسباب تعتبر مداخل حقيقية لفهم المُعضلة النيجيرية.

إستقلت نيجيريا عام 1960 إلا أن ذلك الإستقلال لم يكن فعلياً إلا في عام 1963 عندما تم الإعلان عن الجمهورية الأولى، وتم توقيع دستور الإستقلال بزعامة الرئيس بنجامين نامدي أزيكيوي ، ونتيجة لتعرض مجموعة من عرقية الأيبو القاطنين في شمال البلاد للإضطهاد على يد الهوسا والفلاته عام 1966 بسبب قيام ضباط عسكريين من عرقية الإيبو بالإنقلاب على رئيس الوزراء النيجيري المُنتخب في ذلك الوقت “أبوبكر تافاوا باليوا” ، عندها أعلن الجنرال “أيميكا أوجوكوو” إنفصال الإقليم الجنوبي الشرقي الغني بالنفط (بيافرا) عن الدولة النيجيرية، فكانت تلك الشرارة التي تجرع بعدها النيجيريون أصنافاً من العذاب، فالجنرال أوجوكو كان يرى بأن الكونفدرالية هي الأفضل، في مقابل إصرار الدولة النيجيرية على مبدأ الفيدرالية التي لا تمارسها بشكل مقنع أمام الشعب النيجيري، فقادة الإقليم الشرقي يرون بأن الدولة النيجيرية تسير في إتجاه مُخالف للطابع الإتحادي للدولة، وذلك بسبب سيطرة أبناء الإقليم الشمالي على الحكم، فقد أعلنت الدولة المركزية تقسيم الإقليم الشرقي إلى ثلاثة أقاليم منفصله، فما كان من رئاسة الإقليم إلا الإستيلاء على المباني التابعة للحكومة الإتحادية، وإجبار شركات النفط الأجنبية العاملة بدفع الرسوم لحكومة الإقليم الشرقي ، وبدأت الحرب بين الحكومة المركزية والإقليم ، وإنتهت بقمع الأصوات المُطالبة بالإنفصال والقضاء على التمرد وذلك في يناير 1970، ورغم أن الرئيس النيجيري الأسبق أوليسيجون أوباسانجو قد أصدر عفواً جمهورياً لعدد من الجنود والقادة الذين شاركوا في حرب بيافرا بهدف دعم حوار المصالحة الوطنية، إلا أن عرقية الإيبو ترى بأن قرارات الرئيس ليست كافية ولابد من إتاحة الفرصة بأن يتولى مقاليد الحكم أحد من عرقية الإيبو، حتى تكون نية الحكومة النيجيرية مُقنعه بتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية.

تُدرك الدولة النيجيرية تماماً أن عرقية الإيبو القاطنة في المنطقة الجنوبية الشرقية ، تهدف إلى إنشاء دولة خاصة بهم، خاصة أنها تلقت دعما خارجيا في بداية إعلانها كدولة مُستقلة، ومن أبرز الدول التي ساندت “جمهورية بيافرا” هي إسرائيل. فإسرائيل كانت تعادي رئيس الوزراء النيجيري أبوبكر تافاوا باليوا الذي كان يُساند العرب في حربهم ضد إسرائيل، أضف إلى ذلك أن عرقية الأيبو تدّعي – وكتاب كثيرون يقولون بذلك أيضا – أن جذورها تعود إلى الديانة اليهودية, ولهم معابدهم الخاصة إلى اليوم.
ومن جانب أخر تدخلت البرتغال في دعم المتمردين في بيافرا بسبب أن الدولة النيجيرية في ذلك الوقت كانت تقوم بدعم إستقلال المستعمرات الأفريقية التي كانت تحت الحكم البرتغالي، مما دفع لشبونة بتبنى قضية عرقية الأيبو، وذلك بفتح مكاتب تمثيلية لجمهورية بيافرا في العاصمة البرتغالية لشبونه ، وطباعة العملة الورقية لهم ، وإمدادهم بالمُساعدات الإنسانية من المستعمرات البرتغالية القريبة من نيجيريا ، أما الدول الأفريقية التي ساندت جمهورية بيافرا الإنفصاليه هي الغابون ، زامبيا ، ساحل العاج ، تنزانيا، إلا أن أبوجا نجحت في الحفاظ على الدولة النيجيرية الموحدة وذلك بعد تدخل المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية المتحدة ( مصر وسوريا) ، والجزائر ، ومن الجدير بالذكر أن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عندما سُئل عن تدخل العرب للحفاظ على وحدة الأراضي النيجيرية قال : “لا أريد أن تنتكس إفريقيا بنكستنا، وبالتالي لابد أن تنهي نيجيريا عملية إنفصال بيافرا، لإنها عملية أساسية من أجل تحرير أرضنا، علينا أن نساعدهم فوراً، إن بعض الدول يريدون إخافة هذه الأنظمة ليسهل عزلنا عن أفريقيا جنوب الصحراء”.

تجددت مطالبات شعب بيافرا بالإنفصال عن الدولة النيجيرية في بدايات هذا العام 2016 ، ويرجح الباحثون النيجيريون أنه لو فتح باب للإستفتاء في جنوب شرق نيجيريا قد سيكون الإنفصال هو الواقع، ويواجه الرئيس بخاري إنتقادات داخليه بسبب تأييده لجبهة البوليساريو والإعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية، في مقابل رفضه لقيام جمهورية بيافرا في الجنوب الشرقي لنيجيريا، إلا أن أبوجا غالباً ما تُأكد أنه لا مجال للمُقارنة بين الملفين موضوع النقد، ومن يُقارن بين البوليساريو وإقليم بيافرا هو جاهل بالسياسية الدولية.

أرى كباحثة في الشأن الأفريقي أن هذا الموقف من الحكومة النيجيرية قد يدفع أطراف إقليمية مُعارضة للجمهورية العربية الصحراوية أن تتعاون مع الناشطين السياسيين في إقليم بيافرا وتقدم لهم الدعم الكافي للإنفصال عن الدول المركزية، وقد يتحول إقليم بيافرا إلى ساحة تصفية حسابات بين الجزائر الداعمه للحكومة النيجيرية والتي شاركت في إنهاء التمرد في إقليم بيافرا عام 1970 والداعمه للجمهورية العربية الصحراوية، وبين المملكة المغربية التي ترفض الإعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية وتستنكر الموقف النيجيري الداعم لجبهة البوليساريو ، مما قد يقود إلى تناقض المواقف العربية هذه المره والتي لن تقتصر على الجمهورية الجزائرية والمملكة المغربية في حال تأجج ملف إقليم بيافرا، ولا أتوقع شخصياً أن هناك من سيردد كلمة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما قال ” لا أريد أن تنتكس إفريقيا بنكستنا”.

  • شاركنا برأيك
  • عداد الزوار
15148
اليوماليوم24
الأمسالأمس36
هذا الاسبوعهذا الاسبوع24
هذا الشهرهذا الشهر859
الجميعالجميع15148
UNKNOWN
المتواجدون حالياً 0
المسجلين 1
المتواجدون حالياً
-

This page uses the IP-to-Country Database provided by WebHosting.Info (http://www.webhosting.info), available from http://ip-to-country.webhosting.info

جديد الصور

العلاقات الخليجية الافريقية

تواصل معنا

إشترك فى النشرة الالكترونية