كلمـة فـي الإعـلام الأفريقـي

كلمـة فـي الإعـلام الأفريقـي

يقول الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل في كتابه كلام في السياسة:الفهم مطلوب قبل الحُكم بإستمرار ولكنه ضروري إلى الحد اللازم ولكن ليس بعده، لأن الزيادة في الفهم قد تُجنح بالأحكام إلى حيث تضيعُ الحدود، والبشر إذا زاد فهمهم قًدروا وإذا قًدروا فقد تركوا التسامح يغلبهم وعذروا، وإذا عذروا فإنهم في نفس اللحظة وإن لم يقصدوا غفروا، والغُفران ليس مُلك البشر وإنما مُلك التاريخ وحده، بمقدار ما أن التاريخ كلهُ مملكة لله
تلك العبارات كانت مُجمل حديثي مع نفسي وأنا مُتجهة إلى قناة أفريقيا العالمية التي وجهت لي دعوة كريمة للحديث عن أهمية العلاقات الخليجية الأفريقية، ومن باب حرصي على إرسال رسالة إلى بعض النخب الأفريقية المُثقفة التي ترى في العلاقات الخليجية الأفريقية نوعٌ من الإستعمار الجديد يحاول فرض نفسه عليها، وجدتُ نفسي حينها أمام مُهمةٌ شاقة لن تؤتي أكلها ولن تحقق مُبتغاها في حوار تلفزيوني مدته ساعتان، فأثرتُ الإجتهاد في الحديث عن تاريخ العلاقات الخليجية الأفريقية التي سبقت الإستعمار الأوروبي لأفريقيا بقرون والتي بدأت مع الفتوحات الإسلامية وتعززت وشائجها بقوافل الحج المُتدفقة من عموم القارة الأفريقية إلى شبة الجزيرة العربية، ولم أنسى أن أضرب الأمثلة لأهم الزعماء الأفارقة الذين كان لهم دور في تعزيزالتعليم الثقافي والديني ونشراللغة العربية في أفريقيا، وإنعاش طرق الحج للأراضي المقدسة مثل الشيخ كانجا مانسا موسى الذي أسس جامعة سانكوري التي تُعتبر مركز العلم في أفريقيا، والذي كان يوزع الذهب لكل ما كان يُقابله أثناء رحلته من مالي إلى مكة المكرمة مما تسبب في إنخفاض سعر الذهب، ودخل إقتصاد العالم في تلك الحقبة من الزمن في حالة تضخم لعشرون عاماً بسبب تلك الرحلة، كما تناولت في حديثي الدور الثقافي الذي يمكن أن تلعبه الجامعات الخليجية بالتعاون مع الجامعات الأفريقية المدعومة خليجياً مثل الجامعة الإسلامية في جزرالقمر، ومركز جابر الأحمد التعليمي في السنغال، وجامعة الصومال للعلوم الطبية، وجامعة فيصل في تشاد، خاصة أن دول الخليج كانت قد دعمت مؤتمر إتحاد الجامعات الافريقية في مايو 2017 والذي كان لي شرف حضوره والتحدث من خلاله عن أهمية تعزيز العلاقات الخليجية الافريقية ثقافياً وذلك من خلال المُنتديات الثقافية التي تعقد في الجامعات الأفريقية.
هناك محوران رئيسان دائماً ما أتناولهما في حديثي مع الإعلام الأفريقي وهما: العمالة الأفريقية في دول الخليج العربي، والحضور الخليجي في القارة الأفريقية، فتحظى العمالة الأفريقية العاملة في دول الخليج بالكثير من الإهتمام والرعاية وتُمارس تلك العمالة دورها المُناط إليها بكل حرفية فهي شريكة في مسيرة التطور والنهضة التي تشهدها مختلف القطاعات الخدمية في دول الخليج العربي، أما فيما يتعلق بالحضور الخليجي في أفريقيا فهو حضور إقتصادي إستثماري وجاء متفوقاً على الحضور السياسي، فالجانب الخليجي يفتقر معرفياً لحقيقة أفريقيا وأزماتها المُتلاحقة والتي لابد من دراستها لوضع إستراتيجيات لتقريب وجهات النظر بين الجانبين مما سيُسهل المُشاركة الخليجية في فهم تلك الأزمات وبالتالي المشاركة في حلها، أما الجانب الأفريقي فبرغم وجود الكوادر البشرية المُتعلمة صاحبة رؤية سياسية إقتصادية واعدة إلا إنها تحتاج لدعم على جميع المستويات لتحويل تلك الرؤية إلى واقع، ومن الجدير بالذكر أن هناك رأي يسود في بعض العواصم الأفريقية وأخشى أن يتحول إلى ظاهرة مشتركة بين دول الخليج وبعض الدول الأفريقية وهي أن بعض الدول الأفريقية ترى أن وجود سفارات وقنصليات لها في بعض الدول الخليجية سيغُنيها عن باقي الدول، وفي المقابل ترى بعض الدول الخليجية أن وجود سفارة لها في بعض الدول الأفريقية المُرشحة لقيادة ركب التطور في أفريقيا سيغنيها عن البقية الباقية وهذا غير صحيح، فكل دولة من الجانبين لها أهميتها ودورها الذي يُمكن أن نراهن عليه للوصول بتلك العلاقات بما ينفع الجانبان
هناك ورقة رابحة وداعمة لقضية العلاقات الخليجية الأفريقية وهي ورقة المواليد ومنهم الأفارقة الذين كانوا حجاجاً للأماكن المقدسة وبقوا فيها، والبعض الأخر هاجر من الوسط والغرب الأفريقي بعد الإستعمار الأوروبي وأستقر به الحال في شبه جزيرة العرب ولم يخرجوا منها حتى تاريخ كتابتي لهذه السطور، وهنا نتحدث عن أجيال مُمتدة باتت جزء لا يتجزء من عموم شبه الجزيرة العربية، ومنهم من له إسهامات علمية وأدبية في المُجتمعات الخليجية مثل الأديب التشادي الدكتورأدم يوسف الذي إستضافته القناة الثقافية السعودية في مايو2017، ولذلك لابد من العمل لكسب تلك النخب فهم حجر الأساس لإرساء العلاقات الخليجية الأفريقية وهم الجسر الأول الذي يمكن أن تعبر من خلالة رؤية خليجية مُستقبلية لأفريقيا المُستقبل في القرن الواحد والعشرين.

يمكن الإطلاع على الربط التالي 

https://www.albayan.ae/opinions/articles/2018-05-24-1.3273237

error: Content is protected !!