التاريخ السياسي للإسلام في السنغال / وقفة تأمل

التاريخ السياسي للإسلام في السنغال / وقفة تأمل

لله الحمد ربّنا، والصلاة والسلام على خير الأنبياء محمّد وعلى ألة وصحبه ومن والاه.

أما بعد

  فقد اطلعنا على كتاب الباحث الأستاذ عبد الكريم صار، وهو الإصدار المعنون بــ” التاريخ السياسي للإسلام في السنغال” والمطبوع في عام ألفين وخمسة عشر 2015، فوجدناة كتاباً مهمّاً يبطن بين دفتية نوادر الأخبار وغرائب الأحداث والوقائع، يجزي الله الكاتب عن ذلك البذل وعن ذلكم الإنجاز القيم خير مايتمناه في الدنيا والآخرة، إلاّ أن ما لفت نظري فيه هو أن الكتاب – بكونه صنع آدمي – يحمل شيئا غير قليل من الأخطاء المطبعية وشيئاً من التحريف، وكثيراً من زلاّت منهجية وعلمية، ومن هنا أدركنا أنه سيكون من المفيد أن نقف عليه وقفة تأمل يسيرة فنشير إلى بعض الأمور منها ونبيّن بعضها الآخر ممّا هو سطحي بالدرجة الأولى، وعليه سوف نرتّب فقرات الحديث إبتداءاً من عنوان الكتاب وشكله، مرورا بالمنهج المتبع فيه وإنتهاءاً إلى الثغرات الباعثة في نظم المقال.

العنوان والشكل

    عنوان الكتاب في التركيب اللغوي قد لايكون مستقيماً، أو لا يحمل المعنى المقصود والمتبادر إليه الذهن، فالوصف جاء في موضع التخصيص ويعني ذلك أن المؤلف سوف يؤرخ تحديداً السياسة الإسلامية في البلاد، ومع ذلك لم يحدّد القرن ولا العصر المقصود في الحديث، خاصة أن تاريخ الإسلام في السنغال طويلاً بحيث لابدّ من تحديد الطور والعصر أولاً، ثم إن المؤلف لم يؤرخ للإسلام ولا للسياسة في شيء، فالوجود الإسلامي في السنغال يجب أن يتحدث عن نفسة إن كان له أثر سياسي يُكتب أم هو عبارة عن محاولات وتجارب ناجحة في زمن وغير ناجحة في زمن أخر، كما أن الخطأ الأساسيّ الأول الذي وقع فية المؤلف هو أنه إعتمد عصراً لم يكن للإسلام السياسي فيه من شأن، وربما لذلك إضطر إلى مغادرة العنوان سريعاً فأرّخ للتعليم العربي الإسلامي في السنغال من جهة، وللحركات الإسلامية من جهة أخرى، أضف إلى ذلك أن الطبعة ينقصها أنها خالية من لوازم النشر ومن علامات الطباعة الحديثة، فلا يوجد على الكتاب أكثر من إسم للمؤلف وعام الطبع للمرة الأولى، وهذا عند القارئ  يكون خرقاً لأبسط قواعد التأليف(1).

منهج الكتاب

   لا بالتّتبع ولا بالإستقراء يُدرك منهج المؤلف في الكتاب، فإنه لم يتبع أي منهج من مناهج البحث العلمي، ولم يسلك أية طريقة من طرق التصوير التاريخي، فلا بالتسلسل الزمني إلتزم، ولا إتخذ الترتيب المنطقي، وكذلك توثيق المعلومات عنده يكاد أن يكون غير جائز البتة.

ثغرات وأخطاء وتناقضات

   سيكون من الصعب جداً تصديق المؤلف فيما ما كتب، أو أن نؤمن له فيما ينطق ويصدر، لأنه في أغلب المواضع يتناقض وينكر نفسه مباشرة بطريقة سطحية للغاية، فعلى سبيل المثال كيف يمكن للشيخ محمد المصطفى امباكي بن الشيخ أحمد بامبا امباكي أن يؤيّد الماسوني بليز جاج على السيد غالانو جوف المسلم يوم يتنافس المترشحان لمنصب نائب في المجلس الوطني التابع للمستعمر في عام 1840م، أو كيف يمكن أن نسلّم بقولة بأن بليز جاج المُؤَيد منهما كان قد ولد في 1872م(2).

  نحن نرى أنه من غير الممكن إطلاقاً أن يصحّ الخبران هكذا في نفس الإطار، ونرى أنه من المستحيل أيضا أن يكون الشيخ المذكور أيّد أحدا كافراً أو مسلماً في إنتخابات كانت قبل ثمان وأربعين سنة من يوم ميلادة، فلو أن كاتبنا الصحفيّ تأمّل قليلا لأدرك ذلك في بداية الأمر، لكن للأسف الشديد فقد تكرّر التناقض بصيغة أخرى عندما قام بتوثيق تاريخ جماعة عباد الرحمان فربط حادثة بأخرى وموقفاً بمواقف حالت بينهما سنوات عديدة مما يعدّون(3).

هذا الخلط واللغط الغزير في رسم مواقف وقررات لشخص أو جماعة يبلغ من الخطورة حدّاً لا يعلمه إلاّ الله، فهو بالصراحة تزويرفي صحائف التاريخ وتلويث لصور نقيّة بيضاء، وهناك أمر آخر هو أن يصنّف المؤرخ أشخاصاً في قالب هم بريئون منه، فمثلاً الشيخ أحمد بامب والشيخ محمد الأمين جوب دغانا تم إدراجهم في القائمة الأولى لجامعة بير سانيا خور، وهذان الشيخان يشهد الله أنهما لم يلتحقا بالجامعة قطّ ولم يمرّا بها، بل نشك في أن يكون إلتحق بجامعة بير أحد من هذا الجيل المتأخر أمثال الشيخ عبد الله نناس والحاج مالك سه التواوني، وممّا يؤخذ على الكاتب أيضاً أنّه لم يكن موضوعياً في توثيقة للجماعات والمؤسسات، ولم يكن حيادياً في ترجمته لسيرة للأشخاص والمناضلين، وتحدث مطوّلاً عن جماعات قد لا يعرفها إلاّ هو وأهمل في الذكر جماعات أخرى لا يمكن تجاهلها.

الخطر الحقيقي في الإصدار يتمثل في كون الكتاب يحتوى على معلومات عصرية يصعب التأكد من صحتها، وذلك لعدم وجود المصدر فيها، فلا يتسنى للباحث سوى الرجوع إلى من تخصّه المعلومة، أو إلى من كُتبت فية الرواية، وقد لايتيسر ذلك لكثير ممن يصل إليهم هذا الكتاب.

 الكتاب مهم وجيد من ناحية، لكن لا يمكن بحال إعتماد ما فيه من المعلومات، فلا ينبغي التمسك بشيء على أنّه مكتوب في التاريخ السياسي للإسلام في السنغال، أو على الأقل بكونه مسجلاً في الطبعة الأولى من الكتاب، وبالجملة فالكتاب موثق من حيث المقصود والمنحى، ومهم من حيث المطلب والمبتغى، لكن يتعذر الإستفادة منه بعد هذه الإشكاليات التي قمنا بتوضيحها، لأن الأستاذ الكاتب فيما يبدو أنه تسرّع لحصاد ثمار لم تنضج، فقد تسرّع في نشر الطبعة وحتى قبل أن يراجعها بدقّة من جميع النواحي، ولعله إن قام بالمراجعة اللازمة في الطبعات اللاحقة فمن الممكن أن يصبحّ كتابة مرجعاً تاريخياً كما وصفه المقدّم الأستاذ الأديب فاضل غي يحفظه الله ويرعاه.

وأخيرا أعتذر كثيراً إن كنت سليط اللسان محاججاً بالبيان والمعني،  فما أردت إلاّ الإصلاح ما أستطعت وما توفيقي إلاّ بالله.

 

الباحث/ إبراهيم جينغ الخليل

دكار، 08-06-2019 

——————————————-

1أستاذ فاضل صار، “قراءة في التاريخ السياسي”،صفحة 68 – 69 من الكتاب

2أنظر الأستاذ فاضل صار ” قراءة في التاريخ السياسي صفحة 128

3أنظر الأستاذ فاضل صار ” قراءة في التاريخ السياسي” مقال منشور في موقع وسطيون.

 

error: Content is protected !!